ابن الجوزي

104

صفة الصفوة

وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [ سورة الأنعام آية 18 ] قال لي : يا حمزة ألست القاهر فوق عبادي ؟ فقلت : بلى . قال : صدقت ، اقرأ . فقرأت حتى ختمتها ثم قال لي : اقرأ فقرأت الأعراف حتى بلغت آخرها فأومأت إلى الأرض بالسجود فقال لي : حسبك ما مضى ، لا تسجد يا حمزة . من أقرأك هذه القراءة ؟ فقلت : سليمان . قال : صدقت من أقرأ سليمان ؟ قلت : يحيى . قال : صدق يحيى على من قرأ يحيى ؟ فقلت : على أبي عبد الرحمن السلمي . قال : صدق أبو عبد الرحمن السلمي ، من أقرأ أبا عبد الرحمن ؟ فقلت : ابن عم نبيك عليّ . فقال : صدق عليّ ، فمن أقرأ عليا ؟ قلت : نبيك محمد صلّى اللّه عليه وسلم . قال : ومن أقرأ نبيّي ؟ قال : قلت : جبريل عليه السلام . قال : ومن أقرأ جبريل ؟ . قال : فسكتّ . فقال لي : يا حمزة قل أنت . قال : فقلت : ما أجسر أن أقول . فقال فقلت : أنت . قال : صدقت يا حمزة وحقّ القرآن لأكرمنّ أهل القرآن لا سيما إذا عملوا بالقرآن ، يا حمزة القرآن كلامي وما أحبّ أحدا كحبّي أهل القرآن . أدن يا حمزة فدنوت فضمّخني بالغالية « 1 » وقال : ليس أفعل بك وحدك ، قد فعلت ذاك بنظرائك ممن فوقك ومن دونك . ومن أقرأ القرآن كما أقرأته لم يرد بذلك غيري وما خبأت لك يا حمزة عندي أكثر فأعلم أصحابك بمكاني من حبي لأهل القرآن وفعلي بهم فهم المصطفون الأخيار ، يا حمزة وعزّتي وجلالي لا أعذب لسانا تلا القرآن بالنار ، ولا قلبا وعاه ، ولا أذنا سمعته ، ولا عينا نظرته . فقلت : سبحانك سبحانك وأنّى ترى ؟ فقال : يا حمزة أين نظّار المصاحف ؟ فقلت : يا رب أفحفّاظهم ؟ قال : لا ولكني أحفظه لهم حتى يوم القيامة فإذا لقوني رفعت لهم بكلّ آية درجة - أفتلومني أن أبكي وأتمرّغ في التراب « 2 » . ( قال المؤلف ) : أسند حمزة عن الأعمش وحمران بن أعين ، وسمع منه وكيع وتوفي بحلوان سنة ست وخمسين ومائة . أبو مسحل قال : رأيت الكسائي في النوم كأن وجهه البدر فقلت : ما فعل اللّه

--> ( 1 ) تضمخ بالطيب تلطخ به ، والغالية نوع من الطيب . ( 2 ) العبارة الأخيرة من كلام حمزة وهو رد على سليم بن عيسى .